عادل حمودة
كتب
عادل حمودة
Advertisements

عادل حمودة يكتب: حقيقة ما حدث فى الأردن

Advertisements
الملك حسين عفا عن قائد انقلاب وعينه مديرًا للمخابرات ووزيرًا للداخلية

شخصية الملك عبد الله الثانى بعد ساعة من الدردشة معه فى قصر رغدان

تحديد إقامة الأمير حمزة وقطع الإنترنت عنه بأمر من رئيس الأركان مما يعنى أن الجيش يحمى العرش 

فاتورة عدم استقرار الأردن ستدفعها المنطقة بأسرها لذلك هب العالم لمساندته

اشتهر الملك حسين بأنه أكثر الملوك حنكة وحكمة وخبرة فى الحفاظ على العرش رغم شدة العواصف والأنواء السياسية التى واجهها وتعدد المؤامرات الداخلية والخارجية التى نجا منها.

فى سنوات حكمه التى بلغت 57 سنة جرت أكثر من محاولة انقلاب ضده لكنها لم تنجح والمفاجأة المذهلة أنه كان يعفو عن مدبريها ومنفذيها وأكثر من ذلك عينهم فى مناصب شديدة الأهمية والحساسية مجددا الثقة فيهم.

إن نذير رشيد مدير المخابرات الأردنية «1970 1973» ووزير الداخلية فيما بعد هو نفسه نذير رشيد مؤسس تنظيم الضباط الأحرار فى الأردن والرتبة الأكبر فى محاولة الانقلاب ضد الملك حسين التى وقعت فى إبريل 1957.

اختيرت منطقة تسمى «الزرقا» ليتجمع فيها ضباط الانقلاب وليتحركوا منها بأسلحتهم ومدرعاتهم إلى عمان وما أن عرف الملك بالخبر حتى خرج إليهم فى سيارة مكشوفة وعندما اقترب منهم وقف على مقعد السيارة ورفع يديه الاثنتين فى وجه القوات المتحفزة والمفاجأة أن القوات تفرقت خشية وجود كمين ينتظرهم أو خدعة تقضى عليهم.

فشلت المحاولة وصار نذير رشيد مطلوبا حيا أو ميتا فهرب إلى سوريا وتنقل بينها وبين لبنان سنوات طوال حتى صدر عفو ملكى عنه «وعن كافة المعارضين فى الخارج» فعاد إلى الخدمة فى جهاز المخابرات ورقى حتى تولى أرفع المناصب الأمنية وأصبح الأكثر قربا من الملك والأكثر إيمانا به.

بإخلاص يقترب من الاستشهاد استبسل نذير رشيد فى الدفاع عن العرش فى أحداث أيلول الأسود «ضد الفلسطينيين» وضبط عديدًا من محاولات الانقلاب «يقال ثلاث» وكون جهازا قويا يقدر على رصد الأحداث والمؤامرات قبل وقوعها والتعامل معها.

كان الملك حسين موهوبا فى تحويل الأعداء إلى أصدقاء والخصوم إلى أنصار متفهما التركيبة العشائرية المعقدة والمؤثرة فى المجتمع «داخليا» ومستوعبا تضاريس خريطة الجغرافيا السياسية المحرجة التى وضعت الأردن بين العرب وإسرائيل فى أشد أوقات الصراع بينهما «إقليميا» ومدركا أهمية التحالفات الصريحة مع القوى العظمى «بريطانيا ثم الولايات المتحدة» للمساندة العسكرية والمالية «دوليا».

وحسب تقديراتى الشخصية فإن خليفته على العرش ابنه الملك عبد الله الثانى سيتأثر بالجينات الوراثية ولن يتشدد مع أخيه غير الشقيق الأمير حمزة بن الحسين بعد اتهامه بالتآمر على العرش بل إنه لم يقبض عليه وإنما تركه فى قصره تحت إقامة شبه جبرية وعزله عن أنصاره بقطع الإنترنت عنه.

تولى هذه المهمة رئيس أركان الجيش يوسف الحنيطى الذى طالبه بالكف عن أنشطته المثيرة للاضطرابات حسب ما أسفرت عنه التحريات والتحقيقات.

وكون أن الجيش يساند الملك ويعتقل مشتبهًا فيهم فهذا يعنى أن ما حدث ليس انقلابا عسكريا بالمفهوم التقليدى وإنما يعتبر انقلابا سياسيا يحرض الشارع على الانفلات بكل ما يترتب عليه من تبعات أو ربما كان ما حدث ضربة استباقية تسقط الانقلاب قبل وقوعه.

حسب البيانات الرسمية فإن السلطات الأمنية العليا اعتقلت 20 شخصا منهم الشريف الحسن بن زيد وهو من الأسرة الهاشمية وسبق أن شغل منصب مبعوث الملك للسعودية التى يحمل جنسيتها إلى جانب الجنسية الأردنية.

ومنهم باسم إبراهيم عوض الله الرئيس التنفيذى لعدد من الشركات والبنوك فى الأردن والبحرين وشغل من قبل منصب رئيس الديوان الملكى ومدير الدائرة الاقتصادية ووزير التخطيط وهو عضو فى مجلس أمناء أكثر من جامعة عربية ويحمل شهادت عليا فى التنمية الاقتصادية والعلاقات الدولية حصل عليها من جامعات بريطانية وأمريكية.

والأهم أن الملك كان يعتبره معجزة اقتصادية وسمعت ذلك منه فى لقاء استمر نحو الساعة فى قصر رغدان سبقه بحث عن شخصيته وسيرته وهوايته وسنواته فى الولايات المتحدة ليكون الحوار مكثفا ومثمرا.

يمتلك الملك عبد الله موهبة التعلم «عرفت إنه فى بداية حكمه درس اللغة العربية» ويجيد الاستفادة من التاريخ ويعتبر سيرة أبيه درسا يوميا يجب تذكره يجب حفظه «الابن سر أبيه» كما أنه يجنح نحو التهدئة ويفضل حل النزاعات الداخلية بالطرق الودية.

أتذكر أن محررا نشر خبرا شخصيا فى صحيفة كنت رئيسا لتحريرها أزعج الملك عبدالله لكنه لم يلجأ إلى القضاء كما فعل معمر القذافى وصدام حسين وإنما طلب من الرئيس مبارك التوسط وعلاج الأمر فى هدوء وهو ما حدث وقدرت ذلك التصرف الراقى.

ولد الملك عبد الله فى 30 يناير 1952 وأمه هى الملكة منى الحسينى أولى زوجات الملك حسين بينما ولد الأمير حمزة فى 29 مارس 1980 وأمه هى الملكة نور الحسين ولكنهما يتشابهان فى كثير من محطات الحياة.. كل منهما درس فى أكاديمية سانت هيرست العسكرية الملكية «بريطانيا».. وبينما درس عبد الله العلاقات الدولية فى كلية أدموند وولش «جامعة جورج تاون» درسها حمزة فى جامعة هارفارد.. وخدما معا ضباطا فى الجيش الأردنى.

ورغم أن الدستور الأردنى يمنح ولاية العهد إلى أكبر الأبناء فإن الملك حسين منحها لشقيقه الأمير الحسن منذ تولى العرش «ولمدة ثلاثين سنة» بسبب الظروف السياسية الصعبة التى توالت على الأردن وفرضت عليه التفرغ لعلاجها بمساعدة شقيقه الذى حمل عنه أعباء المناسبات المحلية والدولية إلا أنه فور عودته من الولايات المتحدة بعد رحلة علاج من سرطان اللمفوما فى مستشفى ماير كلينك جعل عبد الله وليا للعهد وبعد أسابيع قليلة توفى.

تكرر الموقف نفسه بعد أن أصبح عبد الله الثانى ملكا فى 7 فبراير 1999 حيث عين شقيقه حمزة وليا للعهد حتى 28 ديسمبر 2004 ثم اختار ابنه الأكبر الحسين «27 عاما» ليكون وليا للعهد فى 2 يوليو 2009.

فى كتابه «فرصتنا الأخيرة السعى نحو السلام فى زمن الخطر» يقول الملك عبد الله عن تولى ابنه ولاية العهد: «لم يكن القرار سهلا فأنا كنت أفضل أن ينعم الحسين فى صباه وشبابه كما نعمت أنا بحياة حرة من الضغوط التى يفرضها موقع ولى العهد لكن فى النهاية رأيت من الأفضل للبلاد وكذلك لابنى أن يكون واضحا للجميع كيف يبدو لى مستقبل المملكة الأردنية الهاشمية».

والملك عبد الله شخصية منفتحة.. متطورة.. يجيد الاستماع.. موهوب فى اكتشاف الخبرات.. يعيش حياة بسيطة وسط الناس فى الأماكن العامة.. ولتلك الصفات اختارته قناة أر تى الروسية شخصية عام 2020 فى استفتاء مفتوح بين مشاهديها العرب.

والأهم أنه نجا ببلاده من صفقة القرن التى تعرض بسببها إلى ضغوط حادة للقبول بها وصلت إلى حد التظاهرات المتصاعدة والخطرة.

كما أنه يواجه مؤامرة ضم الضفة الغربية المحتلة إلى إسرائيل ومنح الجنسية الأردنية إلى فلسطينى الشتات الراغبين فى العودة وإبعادها عن رعاية المسجد الأقصى وما حوله من مقدسات إسلامية.

وحسب بيان رسمى فإن مخابرات أجنبية اتصلت بزوجة الأمير حمزة وعرضت إرسال طائرة خاصة لنقلها هى وعائلتها خارج البلاد.

وكشفت الميديا العبرية أن المتصل ضابط سابق فى الموساد ولكنه لم يعد فى الخدمة وفى الوقت نفسه برأت إسرائيل مما حدث مؤكدة أن الأردن شريك استراتيجى مهم لإسرائيل ومن المهم استقراره.

وكانت إسرائيل قد رفضت زيارة الأمير حمزة إلى القدس قبل الكشف عما حدث بأيام قليلة وفى الوقت نفسه ترفض دول عربية وأجنبية منحه حق اللجوء السياسى.

من جديد وجد العاهل الأردنى بلاده بين شقى الرحى فانحاز إلى تعميق مسار التنسيق المشترك بين بلاده وبين مصر.

عقدت فى القاهرة قمة ثلاثية «24 مارس 2019» بين الرئيس عبد الفتاح السيسى والملك عبد الله الثانى ورئيس الوزراء العراقى عبدالهادى المهدى تلتها قمة ثانية فى نيويورك على هامش اجتماعات الأمم المتحدة «سبتمبر من العام نفسه» وعقدت القمة الثالثة فى عمان «25 أغسطس 2020» بحضور رئيس وزراء العراق الجديد مصطفى الكاظمى.

وتتفق الدول الثلاث فى الرؤية السياسية للمشاكل الإقليمية «القضية الفلسطينية والملفان الليبى والسورى والأمن المائى» واتفقت أيضا على ما سمى بـ «مشروع الشام الجديد» الذى يرتكز على التعاون فى مجالات الطاقة «منها مد خط أنبوب نفطى من البصرة إلى العقبة ثم إلى مصر» وفى المقابل تصدر مصر الكهرباء إليهما.

ويمتد التعاون الاقتصادى بين الدول الثلاث إلى تطوير المناطق الصناعية المشتركة وتبادل الخبرات فى البنية التحتية ومنح تسهيلات تزيد من التبادل التجارى بينها.

ويصاحب ذلك بالقطع تنسيق فى القضايا ذات الاهتمام المشترك وتعزيز الأمن القومى العربى الذى تعد مصر أقوى ركائزه ومنها مواجهة التهديدات الإيرانية لدول الخليج والوقوف ضد مشروعها النووى وتوسعاتها الخارجية.

ولذلك سارعت مصر بإصدار بيان عقب ما حدث فى عمان أكدت فيه دعمها الكامل للأردن وملكها حفاظا على استقرارها وأمنها الذى اعتبره البيان جزءا من الأمن القومى العربى.

وتوالت البيانات المشابهة من غالبية دول العالم التى ترى أن الأردن تعرضت إلى كثير من المؤامرات ونالت أكثر مما تحتمل من تظاهرات ومن حسن الحظ أنها نجت منها فثمن عدم استقرارها لن تدفعه وحدها بل ستدفعه منطقة بأسرها.

Advertisements