Advertisements

كتاب "استنطاق الصمت فى الشعر والرؤيا" يقدم 5 مشاريع شعرية مؤثرة

بوابة الفجر
Advertisements


صدر للناقد العراقى الدكتور فاضل السودانى كتاب بعنوان "استنطاق الصمت فى الشعر والرؤيا"، 2021، عن الهيئة العامة للكتاب، يتناول الناقد خمسة مشاريع شعرية كبرى ومؤثرة فى الحركة الشعرية العربية المعاصرة، وذلك من خلال تأمل عمل واحد لخمسة شعراء لهم بصمتهم الاستثنائية من خمس دول عربية هي: العراق، ومصر، والبحرين، ولبنان، وعمان، وهم على التوالي: سرجون بولص، والشاعر الكبير الدكتور علاء عبد الهادى، وقاسم حداد، وبول شاؤول، وزاهر الغافرى"، مستنطقا رؤاهم الشعرية من خلال أعمالهم محللا عملاً واحدًا لكل منهم، مع الإشارة إلى غيره إن لزم الأمر. يقع الكتاب فى 312 صفحة.
يقول الناقد فى مقدمته:
يصارع شعر الرؤيا الآن ضد آلية وأبوية شعرية مزيفة هدفها عقلنته من خلال إغراقه بالسذاجة والمباشرة وجعله نتاجًا لتاريخ ثقافى ملتف على نفسه بحجة الولاء للثقافة الشعبية من جهة، ومن أجل الجماهيرية من جهة أخرى، مما يؤدى إلى انتزاعه من كينونته الإبداعية وذاكرته الرؤيوية الكامنة فى اللازمان والحلم والاتحاد بالمطلق وميتافيزيقا الخيال. وبالتأكيد، فإن هدف الولاء للمباشرة من أجل التعبير عن السطحية والواقع الفوتوغرافى الغث لتجريد الشعر من زمن لحظته الإبداعية التى تعتمد على الذاكرة الشعرية الرؤيوية المطلقة، وهذه المحاولات من الجهلة ومرضى الاستسهال الثقافى الذين يملؤون حقائبهم بشعر الأيدولوجيا، تؤكد زمن الانحطاط الشعري، وتشوه تكامل اللحظة الشعرية الإبداعية، وهو هدف واضح لتفريغ حياتنا من أحلامها وشاعريتها وتحويل الشاعر إلى تاجر للخردوات فى سوق السقوط الثقافى العربى والحضارى المزيف.
إن تشويه زمن الشعر الإبداعي، والعمل على تهميش تأثيره فى الحياة والإنسان لأى سبب من الأسباب يعنى سرقة تراث شعر الرؤيا المتراكم تاريخيًّا؛ لأن الخواء يتأتى من خواء روح الإنسان وبالذات الشاعر الرائي، وبهذه الحالة فإن الشاعر يتخلى عن مهمته الأساسية التى لا تكمن فى الوعى المكثف لتأشير الجمال، وإنما تدمير القبيح السائد، وخلق بصريات جمالية، وتذوق جديد للحياة بشكل يجعلنا ننسى لحظة ذلك المتربص بين تلافيف وجودنا أعني: الموت. وشعر الرؤيا المتبصرة هو لحظة إبداعية لتجاوز الموت، فالتوتر الجمالى الرؤيوى يخلق هزة روحية وتبصرًا شعريًّا لفهم وتذوق الحياة. ومن هنا تأتى أهمية دراسة شعر الرؤيا كونه وسيلة بصرية مرتبطة بجوهر الحياة فى لحظة الخلق الآني، ومرتبطة أيضًا بالموت أو العدم كمصير أبدى يدفعنا إلى أن نمتلك التبصر والغور فى مجاهل المستحيل.
إن الشعر الذى يخلق أسطورته وطقسه الرؤيوى الذى يعتمد على أسرار من البعد الرابع للشعر الرائى الذى ينتج عن ملامسة الأزمنة الثلاث ــ الماضى والحاضر والمستقبل ــ وتداخلها فى لحظة الرؤيا، ينتج زمنًا جديدًا هو الزمن الإبداعى والرؤيا الشعرية المطلقة، مما يخلق شعرًا له علاقة بالزمانية بدون أن يتحدد بتقنيات شعرية محدودة لدرجة يتجاوز فيها أخلاقيات زمننا الثقافي، وهذه ميزة دائمة للشعر الذى ما زلنا نفتخر به منذ بودلير ورامبووفرلين وهولدرن والمتنبى والنابغة الذبيانى والكثير من قصائد الجواهرى وأودنيس والبياتى ومحمود درويش والسياب وحسين مردان ومحمود البريكان وفاضل العزاوى وعبد القادر الجنابى وفاضل السلطانى وشاكر لعيبى وأمل دنقل وسركون بولص وعلاء عبد الهادي، وقاسم حداد، وبول شاؤول، وزاهر الغافرى وحتى الكثير من شعراء الشباب فى الوقت الحاضر. إن مثل شعر الرؤيا هذا هو القادرعلى أن يجعل حياتنا أكثر إنسانية، وأقل عنفًا وتشيؤًا، فهو يعيدنا إلى الإيقاع الهارمونى للوجود النقي؛ لأنه شعرية أسطورية للميتافيزيقا تتعمق وتغتنى إبداعيًّا بالذاكرة الشعرية البصرية المطلقة، وهى لحظة الإبداع والتبصر الشعرى - الرؤيوى المـُؤثر والمـُؤَثـَر به.

إن شعر الرؤيا هو الطقس المقدس الخالص الذى يجب ألا يفهم إلا بكونه شعرًا بصريًّا متعدد المستويات والتأويل، وهو فى ذات الوقت خمرة تصوفية ونشوة ذاتية أولًا، ومجتمعية ثانيًا تسرى وتؤثر فى الوجود الأسطورى والميتافيزيقى والمادى للكائن وأشيائه المحيطة. إنه اللوغوس الشعرى الذى يُكتب ويُؤَسس على حلم اليقظة الشاعرى المُستَنِد على ذاكرة الرؤيا البصرية المطلقة. وفى مثل هذا الشعر يجب عدم التساؤل عن المعنى، أى إعادة سؤال الإغريق الفلسفى حول "ما معنى هذا؟"، وإنما السؤال الأكثر أهمية يجب أن يكون حول أسطورية القصيدة أو أسطورية الشاعر والميتافيزيقا الشعرية. فالشاعر الرائى لا ينتج المعنى، وإنما ينتج شعرية الرؤيا المطلقة التى تصل حد النبوءة أو الوحى الشعرى الذى يتغلغل فى المسامات، ويسمو بالأحاسيس والعقل لدرجة أن يكون صافيًا وديناميكيًّا حتى مصاف القدرة على الخلق مما يجعل من النشوة التخيلية والمعرفية والجمالية لذة ورؤيا بصرية، فيتم التواصل رؤيويًّا مع القارئ النموذجى المتفاعل بدون أن تُفسر له الظواهر والحياة، إذ هذا ليس من مهمة الشعر، إنما الشعر هنا هو لغة للرؤيا الأسطورية الشعرية الحية لتلامس المشاعر الإنسانية.


ما دامت قصيدة الرؤيا لا تكشف عن نفسها تأويليًّا بسهولة، وإنما هى شيء دال على شيء آخر، أى بُعد لغوى يؤدى إلى بعد شعري-كرؤيا لم يتوقعه لا الشاعر ولا القارئ النموذجى المتفاعل، بل كان هذا البعد مجهولاً حتى لحظة الكشف الشعرى الذى سيؤدى إلى صيرورة تأويلية بصرية، إنه جوهر الشعر وليس سيمياء نص لفظى دلالي، إنه ديناميكية وجود الكائنات والأشياء وكشفها شعريًّا، بل يؤشر عن الجوهر الحقيقى وغير المرئى للوجود، ويرفض الوجود والجمال المزيف، وأما سمسرة الفكر فيكشفها ويدل عليها كونها من بقايا مزبلة العقل التجريدي، ومن ثم يحدد عالم قصيدة الرؤيا البصرية أو كونها.
إن موهبة الشاعر غير الرائى هى موهبة لغوية وتقنية أدبية كتابية، لا تتخطى شاعريتها الموروث اللفظى واللغوي، وهذا متأتٍّ من محدودية رؤيا مثل هذا الشاعر بصريًّا مما ينتج شعرًا فى حدود المتناهى فقط، وعندما يكون الشعر هكذا فإنه يفتقر إلى بعده البصري، وعلينا التفريق بين
Advertisements