عادل حمودة
كتب
عادل حمودة
Advertisements

عادل حمودة يكتب: إثيوبيا تنفجر من الداخل

Advertisements
أمريكا: آبى أحمد يجب أن يختفى وإلا انتهت الحروب الأهلية بتقسيم إثيوبيا إلى ثمانى دول 

واشنطن تدرس حلًا ملزمًا ربما يعلن فى قمة ثلاثية 

شركة ديلترز الهولندية: فاتورة واردات الطعام سترتفع فى مصر بقيمة 150 مليار دولار

عندما انخفضت الطائرة إلى 17 ألف قدم طلب قائدها منا ربط الأحزمة استعدادا للهبوط فى مطار بولى الدولى.

■ سألت المضيفة السمراء: كيف سنهبط من هذا الارتفاع الشاهق؟ هل نتعرض إلى مشكلة تجبرنا على الهبوط اضراريا؟.

- أجابت: إثيوبيا هضبة ترتفع عن سطح الأرض بنحو 15 ألف قدم والهبوط عليها يبدأ من هذا الارتفاع لا تخف.

بولى اسم مطار أديس أبابا واسم شارعها الرئيسى واسم الميدان الصغير الذى تعرض فيه مبارك إلى محاولة اغتياله (فى 26 يونيو 1995) ليصبح اسمه: «دوار مبارك».

سألنى ضابط الجوازات:

■ ما سبب زيارتك؟.

ــ زيارة منابع النيل الأزرق ورؤية موقع السد الإثيوبى على الطبيعة؟.

■ لم؟.

ــ أنا صحفى وهذه شغلتى.

■ لكنها المرة الأولى التى نرى فيها صحفيا مصريا يأتى خصيصا لرؤية منابع النيل؟.

ــ لكنها لن تكون الأخيرة.

■ لم؟.

ــ هناك اهتمام متصاعد بالسد الذى تريد حكومتكم تشييده.

■ تقصد حكومة مليس زيناوى؟.

ــ نعم.

لم أسمع عن مثل هذا السد من قبل.

ــ ستسمع عنه كثيرا فيما بعد إلى حد إصابتك بالصداع.

كان ذلك فى صيف 2009 حين بدأت إثيوبيا تنكر علنا فى اجتماعات وزراء الرى فى دول حوض النيل الاتفاقيات المستقرة التى تمنعها من بناء سدود على النهر وتحدد حصة مصر من المياه (55 مليار متر مكعب).

استضافت الإسكندرية تلك الاجتماعات لكن وزير الرى الإثيوبى اتهم أحمد نظيف (رئيس الحكومة) بالتعالى مفتعلا أزمة حادة بين البلدين أدت إلى تأجيل زيارة زيناوى إلى القاهرة بدعوى أن كرامة حكومته جرحت مما يعنى أن السيناريو الإثيوبى فى المراوغة أقدم كثيرا مما نتصور.

فيما بعد كتب وزير الرى المصرى وقتها الدكتور محمود أبو زيد مقالا فى « الأهرام « يوم 18 مايو 2010 اعترف فيه بأن المفاوضات بدأت فى «ظروف مشبعة بالشك والريبة وانعدام الثقة حتى أن المفاوض المصرى والمفاوض الإثيوبى على سبيل المثال لم يكونا يتبادلان السلام بالأيدى أو يتحدثان بشكل مباشر وإنما عبر وسطاء وكانت قاعة التفاوض تعج بالاتهامات المتبادلة والغضب والتجريح».

حاول أحمد نظيف إصلاح الموقف بالسفر إلى إثيوبيا لكن حكومتها أجلت الزيارة أكثر من مرة وعندما وافقت عليها أكدت أنها ليست زيارة رسمية: «هو حر يأتى أو لا يأتى».

سبقت أحمد نظيف بالسفر إلى أديس أبابا بل سبقت كل مسئولى الرى فى مصر بالسفر إلى منطقة بحر دار حيث الشلال الأول الذى تسقط مياه من بحيرة تانا (أو تسانا) على ارتفاع (1788) مترا بعد تجمع الأمطار فيها ليبدأ النهر رحلته عنيفا هادرا ثم يهدأ كلما تقدم إلى الشمال فى اتجاه المصب ليصل إلينا طيبا طيعا بعد رحلة شاقة طولها 4280 كيلومترا.

أردت دق نواقيس الخطر وإضاءة كل الأضواء الحمراء بعد أن عرفت بأمر السد الذى ستبنيه إثيوبيا فى وقت كنا فيه مطمئنين إلى أن الطبيعة تضمن لنا حصتنا من المياه دون مجهود.

أيضا كنا نشترى أربعة مليارات متر مكعب من حصة السودان مقابل 12 مليون دولار حسب اتفاق أقره جعفر نميرى.

كذلك كنا نشترى سكوت كثير من دول النهر بحقائب ممتلئة بالدولارات ترسل سرا إلى حكامها.

كان هؤلاء الحكام قد استولوا على السلطة بالقوة البدنية فلم يكن يهمهم سوى ما يجنون من ورائها ولكن مع موجة الديمقراطية التى غطت إفريقيا تغيرت أصول اللعبة.

بدأت الأحزاب السياسية تتشكل والزعامات المدربة على استقطاب الجماهير تتنافس وراحت وسائل الخداع تفرض نفسها على الكبار ليظلوا فى الحكم مهما كان الثمن.

إن إثيوبيا اليوم توصف بالجمهورية البرلمانية حيث منصب الرئيس (سأهلى ويرك زويدى) منصبا شرفيا بينما السلطة الفعلية فى يد رئيس الوزراء (آبى أحمد).

لكنها فيما قبل كان حاكمها يصف نفسه بالإمبراطور وفى صبانا سمعنا عن الإمبراطور هيلاسى لاسى ومعناها : « الأسد القاهر من سبط يهوذا المختار من الله» وخرجنا من المدرسة الابتدائية لنحيه فى سيارته المكشوفة إلى جانب جمال عبد الناصر.

وفى تلك الزيارة أهدى البابا كيرلس ثوبا مطرزا بالذهب لكن البطريرك الزاهد لم يرتده وتركه أثرا فى دير يقع على الطرف الغربى من الإسكندرية.

لم يفكر عبدالناصر فى تدبير انقلاب ضده رغم كراهيته للنظم الملكية وكان العشاء الرسمى الأول لقرينته السيدة تحية كاظم على شرفه.

حكم الرجل الأسمر النحيف المزهو بنفسه المغطى بالنياشين من 3 إبريل 1930 إلى 12 سبتمبر 1974 حين اغتيل على إثر انقلاب شيوعى مدعوم من الاتحاد السوفيتى نفذه منجستو هيلا مريام وعثر على جثته تحت مرحاض قصره.

القصر تصل مساحته إلى 40 فدانا وشيد وسط غابة مليئة بالأشجار ويسيطر على أبراجه قناصة لديهم أوامر بإطلاق النار على كل من يقترب من تلك المنطقة الحرام.

والطريق الصاعد إلى القصر يمر بمناطق عشوائية فقيرة مصنوعة من الصفيح والكارتون يجلس على أبوابها رجال يغطون نصفهم الأعلى بما يشبه « البطانية « بينما سيقانهم عارية وإن أمسك كل منهم بعصا من جذع شجرة.

وبالقطع شجع الإمبراطور الشعب على ارتياد الكنيسة يوميا ليصلوا له بطول العمر وترف المعيشة وليطلبوا من الله الصبر على ما هم فيه.

سيطر الإمبراطور على رجال الدين بالهبات وسيطروا هم على الشعب بالصلوات فى حالة مثالية لاستخدام الدين مسكنات ضد الثورات والانقلابات ولو إلى حين.

وعدد سكان إثيوبيا يزيد قليلا عن 100 مليون نسمة ونحو 55 فى المائة منهم مسيحيون أرثوذكس كانوا يتبعون الكنيسة المصرية قبل انفصالهم عنها.

والمشهد المتكرر فى أديس أبابا مشهد رجل يمسك بعصا تنتهى بقطعة قماش بيضاء يرفعها بيده ليتبعه طابور طويل من المتدينين فى طريقهم إلى أقرب كنيسة.

ومن مفارقات الحضارة أن المرأة المسيحية فى إثيوبيا محجبة أما المرأة المسلمة هناك فلا تغطى شعرها وتفضل ارتداء الملابس المحزقة.

ولكن فى ظل التعددية الحزبية والانتخابات التشريعية لم يعد الدين يكفى للسيطرة على مقدرات الشعب هناك بل راحت برامج المترشحين توهم الناخبين بالمن والسلوى واللبن والعسل والحياة الحديثة الراقية حيث الوظيفة المغرية والتكنولوجيا المتطورة والمساكن الصحية والمساواة الطبقية وغيرها من الخيالات الوردية.

هنا بدأ اللعب بورقة السد.

المشروع قديم يرجع إلى عام 1964 حين قامت وكالة الرى الأمريكية بدعوة من الحكومة الإثيوبية لدراسة إمكانية قيام شبكة من السدود على النهر لتوليد الكهرباء وزراعة مساحات شاسعة من المحاصيل التجارية كثيفة المياه (مثل الأرز وقصب السكر والموز) ولكن هيلاسى لاسى جمد تلك المشروعات بسبب متانة العلاقة مع عبد الناصر.

ولكن فى المدة بين أكتوبر 2009 وأغسطس 2010 مسحت الحكومة الإثيوبية موقع أولى السدود وبعد 3 شهور قدم جيمس كليستون تصميما للسد.

سمى فى البداية : سد الحدود لقربه من الحدود السودانية بنحو 20 ميلا ثم أصبح اسمه سد الألفية والسبب أن إثيوبيا تتبع تقويم جوليان القبطى المتأخر عن التقويم الميلادى بسبع سنوات و113 يوما مما يعنى أنها دخلت القرن الجديد فى عام 2008 ثم استقرت فى النهاية على اسم سد النهضة.

نجح آبى أحمد فى تركيز أحلام الإثيوبيين فى السد.. اعتبره سدا مسحورا لن يأتى بالكهرباء فقط وإنما سيجعل إثيوبيا قوة إقليمية قادرة على استعادة أمجادها الإمبراطورية القديمة.. تبرع الموظفون بأيام من أجورهم للسد.. وتبرع الصغار بمدخراتهم الصغيرة.. وتبرعت النساء ببعض من الحلى.. ومؤخرا طالب وزير الرى الإثيوبى سيلشى بيكلى الإثيوبيين المقيمين فى كندا والولايات المتحدة بشراء سندات ملكية فى السد.

وليس هناك فى حالات شحن عواطف الشعوب أفضل من ترويج النظم لخطر المؤامرات الخارجية والداخلية التى تدبر فى الخفاء ضدها وهذا ما تردده أديس أبابا ليل نهار بلا ملل.

والحقيقة أن التركيبة السكانية والقبلية فى إثيوبيا ليست فى حاجة إلى مؤامرات خارجية كى تنفجر الصراعات بينها إلى حد التورط فى حرب أهلية مؤلمة ومزمنة كالتى يشهدها إقليم التيجراى منذ ليلة الثالث من نوفمبر الماضى حتى اليوم.

وإقليم تيجراى يقع فى شمال إثيوبيا على الحدود مع إريتريا التى استقبلت أكثر من مليون لاجئ ولم تستوعب مستشفياتها مئات المصابين الذين يلجئون إليها يوميا.

وسبق أن عانت إثيوبيا من الحرب مع الصومال بسبب النزاع على أقليم أوجادين واستمرت نحو العامين بداية من 13 يوليو 1977 وأتيحت لى الفرصة لدخول منطقة الصراع من بلدة هرجسيا حيث التقيت بالقائد المحلى «عيديد» وهو يرسم خططه العسكرية على الرمال بينما يستحلب نبات القات.

ولن تتوقف تلك الصراعات مادام آبى أحمد يريد صهر العرقيات بالقوة المسلحة ومادام يفرق بينها فى المناصب والمزايا.

إن إثيوبيا حسب الدستور «جمهورية فيدرالية» مما يعنى أن كل إقليم له خصوصياته وتشريعاته المحلية تاركا القوات المسلحة والسياسة الخارجية والعدالة القانونية والموازنة العامة فى يد السلطة المركزية.

ولكن السلطة المركزية راحت تعدل فى خرائط الأقاليم وتقسم القبائل وتجبرها على ما لا تطيق فلم يكن أمامها سوى الحرب.

ولو عرفنا أن فى إثيوبيا 88 مجموعة عرقية (منها أورمو وأمهرة والصومالية وتيجراى وسيداما وكوارج ووليتى وهدية وعفار والإعراس وجيدو) لتبين للأعمى حجم شحنات المتفجرات السكانية التى ستفجر البلاد.

ستنفجر إثيوبيا من الداخل انفجارات متتالية أغلبها يرجع إلى أسباب ذاتية وبعضها يرجع إلى تحريض خارجى مستغلا تلوث الجراح فى الجسد الإثيوبى.

وحسب كريس كونز صديق بايدن ومبعوثه إلى إثيوبيا فإن قضية الحرب الأهلية وقضية سد النهضة كانتا قضيتين منفصلتين ولكن بسبب تعسف آبى أحمد وتعنته ورغبته فى الاستمرار رئيسا للحكومة أصبحتا قضية واحدة متشابكة.

وبصريح العبارة يعلن كونز أنه لن يعود الاستقرار إلى إثيوبيا ولن تهدأ منطقة القرن الإفريقى إلا إذا اختفى آبى أحمد من على سطح الحياة السياسية.

ولو استمر على ما يفعل فإن إثيوبيا مهددة بالانقسام إلى ثمانى دول وهو أمر ليس فى صالح الولايات المتحدة ولا يمكن السكوت عليه.

ومن جانبها وضعت مصر الولايات المتحدة أمام مسئوليتها فى حل الأزمة عبر مقال نشرته مجلة فورين بوليسى لسفيرنا فى واشنطن معتز زهران بدا محددا من عنوانه: «واشنطن وحدها تستطيع إنقاذ مفاوضات سد النهضة الآن».

وحسب المقال نفسه فإن إدارة بايدن لا تزال تدرس أفضل الخيارات السياسية والدبلوماسية لتبعد الأزمة عن التوترات القائمة التى تدفع إلى الحرب بما فى ذلك خيار لقاءات قمة بين الأطراف المعنية ولكن بشرط التوصل إلى اتفاقية ملزمة وهو ما ترفضه إثيوبيا حتى الآن.

وأغرت مصر بايدن بالتدخل عندما ذكرت أن المنطقة يمكن أن تشتعل بالصراعات التى قد تصل إلى اليمن ومنها إلى الشرق الأوسط.

وحددت مصر خسائرها بعد دراسة قامت بها شركة ديلترز الهولندية فى نقص 123 مليار متر مكعب من المياه وتعطل 290 ألف شخص وتدمير 321230 فدانا وارتفاع فاتورة واردات الطعام بنحو 150 مليار دولار.

ترى كيف سيتصرف بايدن؟.

وكيف تغير الموقف الأمريكى بخسارة ترامب الانتخابات؟.

ولم تخش أوروبا من إصابة مصر بالفقر ألمائى؟.

ربما نتوصل إلى أفضل إجابة عن هذه الأسئلة فى العدد القادم.


Advertisements