عادل حمودة
كتب
عادل حمودة
Advertisements

عادل حمودة يكتب: لا أحد ينام فى مخابرات مصر

Advertisements

ثلاث هجمات مرتدة فضحت عمليات الموساد فى القاهرة وسيناء وقناة السويس

لا يكف جهاز مخابرات ما عن نشاطه الخفى ضد دول أخرى ولو حليفة أو صديقة.

القاعدة هنا: إن أصدقاء اليوم يمكن أن ينقلبوا أعداء فى الغد فلم لا نستعد لمواجهة الطوفان قبل أن يفاجئنا؟.

لنضرب أكثر من مثال:

أضاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أصابعه العشرة شمعا لإسرائيل.. اعترف بضم مرتفعات الجولان السورية المحتلة إليها.. أمدها بطائرات حديثة لم تستخدمها الولايات المتحدة نفسها.. نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.. نجح فى خلق علاقات دبلوماسية بينها ودول عربية أخرى.. لكن.. ذلك لم يمنع الموساد من وضع أجهزة ستينجراى بالقرب من مكتبه فى البيت الأبيض للتنصت على تليفونه المحمول والحصول على ما فيه من بيانات ومستندات وتغريدات أولاً بأول.

بالقطع ليست هذه العملية الأولى من نوعها ضد واشنطن ولن تكون الأخيرة.

والمؤكد أن المخابرات العامة المصرية تستوعب هذه الحقيقة كاملة وتضعها نصب عينيها ليل نهار فلا تكف عن الإيقاع بعملاء الموساد فى شباكها واحدا بعد الآخر ولعل مصير جاسوس «الفخ الهندى» دليل على ذلك.

بدأت قصة طارق عبد العزيز بالسفر إلى الصين للحصول على دورة متقدمة فى رياضة الكونج فو التى يجيدها وعندما عاد إلى مصر راح يدرب الشباب عليها ولكن المقابل المادى القليل لم يعجبه.

سافر من جديد إلى الصين وتزوج فتاة من هناك لكنه لم يجد عملا سوى فى شركة إصلاح مصاعد كهربائية وبالطبع لم يقنعه أيضا المقابل المادى القليل الذى يحصل عليه.

أمسك بجهاز الكمبيوتر الشخصى ودخل على موقع الموساد على الإنترنت وعرض عليهم أن يكون جاسوسا لديهم.

بعد اختبارات صعبة ولقاءات فى تايلاند والهند والصين للتأكد من أنه غير مجند من المخابرات المصرية تعرف على ضابط تشغيله «إيدى موشيه» لتدريبه على وسائل التجسس الحديثة التى تعتمد على التكنولوجيا المتطورة فى الاتصالات الإلكترونية المشفرة متجاوزة مراحل الحبر السرى وأجهزة اللاسلكى ووسائل تهريب صور المايكرو فيلم فى كعب حذاء أو تحت طابع بريد على بطاقة سياحية «بوست كارد».

كانت مهمته تجنيد الشباب المصرى والعربى للعمل على جمع المعلومات عن كبار المسئولين ومراقبتهم وجمع المعلومات عنهم تمهيدا للتخلص منهم إذا لزم الأمر وكان يرسل المعلومات إلى الموساد عبر لاب توب أو «تليفون محمول» محصن تماما لو فتحه شخص سواه انفجر.

ولكن بعد نحو ثلاث سنوات «2007 ــ 2010» حقق فيها ثروة فى الحرام قبض عليه فى مطار القاهرة وقدم إلى القضاء ليحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.

لم يكف الموساد منذ ظهوره على السطح عن وضع خطط تقسيم الدول العربية وإشعال الصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية وتسخينها إلى درجة غليان الحرب الأهلية ووضعت مصر على رأس القائمة منذ عام 2005 حين وضعت خطة الفوضى الخلاقة لقلب المجتمعات رأسا على عقب لعلها تفرز قوة ديمقراطية فى حالة غير مسبوقة من الخرافة السياسية.

لكن ما أن فاجأت ثورة يناير العالم حتى تغيرت خطط إسقاط الدولة فى مصر.. دفعت أجهزة مخابرات عديدة بعملائها إلى القاهرة مستغلة حالة السيولة التى أعقبت تنحى مبارك.. تصورت أن فرصتها سقطت فى حجرها مثل ثمرة ناضجة.. وأنه لن تمر سوى أيام قليلة حتى يتحقق ما تحلم به وتسعى إليه.

لكن وقوف القوات المسلحة إلى جانب الشعب صدم تلك الأجهزة وعلى رأسها الموساد فخرجت من الأدراج الخطط البديلة «بلان بى» التى تستهدف الوقيعة بين الشباب والجيش وتثبت أن الأجهزة الأمنية لم تعد قادرة على القيام بعملها بعد حرق أقسام الشرطة واقتحام مقار مباحث أمن الدولة وفتح السجون.

يكشف مسلسل «هجمة مرتدة» ــ المأخوذ من ملفات المخابرات العامة ــ انشغال الموساد منذ سنوات طوال باختراق مصر بعملاء يتسترون وراء أغطية حديثة.. جمعيات أهلية.. مراكز أبحاث خاصة.. وكالات أنباء.. مكاتب قنوات إخبارية تروج لجماعات الإسلام السياسى وفى مقدمتها جماعة الإخوان.. وشخصيات متنوعة ترتبط بأجهزة أمنية مضادة تقدم خدماتها المريبة إلى الجميع من أجل المال.

وبدا واضحا من تسلسل الأحداث أننا نعرف بعضا من تلك الشخصيات رغم اختلاف أسمائها الدرامية عن أسمائها الحقيقية ولكن شهرتها أشارت إليها.

الشخصية الحزبية الموهوبة فى الكذب والتلون والخداع واللعب على الحبال حتى انتهى بها الحال فى أنقرة مالكة لقناة تهاجم نظام ما بعد 3 يوليو فى مصر.

الشخصية الأكاديمية التى حولت مركزها البحثى إلى مركز تجسس وجمعت بين القوى السياسية فى الحرام وقدمت جماعة الإخوان إلى وكالة المخابرات المركزية «الأمريكية» بمساعدة دولة عربية ثرية.

الشخصية القيادية الإخوانية التى تتستر وراء قناة إخبارية عربية لجمع المعلومات وتنفيذ ما يطلب منها.

كانت الخطة ثلاثية أو «الهجمة ثلاثية» :

الهجمة الأولى: عملية تخريبية فى سيناء تنفذها جماعة «أبو صهيب» بعد أن زودها ضابط المخابرات الإسرائيلية «ريكاردو» بالمتفجرات والأسلحة الثقيلة عبر وسيط خائن.

كان الهدف سيطرة التنظيمات التكفيرية على شمال سيناء لتبدأ من هناك إمارة إسلامية تستقبل إرهابيين من جنسيات مختلفة تستروا وراء البيعة والخلافة ليقتلوا أكثر ويقبضوا أكثر.

وعملية بعد عملية ويوماً بعد يوم تفقد مصر بعضا من أرضها هناك تاركة الطرق مفتوحة أمام كل طامع فيها لنكتشف فى النهاية أن العملية سياسية مخابراتية وليست دينية إسلامية.

كانت المعاناة فى سيناء صعبة وشديدة وغالية الثمن للحفاظ على الأرض التى رويت بدماء شهداء خمسة حروب «منها حرب الاستنزاف» وانضم إليهم ضباط وجنود وقضاة ومواطنون أبرياء قتلوا فى المسجد وهم يصلون صلاة الجمعة.

ولكن بدأت الظاهرة فى الانحسار وفقدت بريقها فى عيون شباب لم يعد من السهل استغلال صغر سنه وقلة خبرته فى حشو رأسه بأفكار سوداء.

الهجمة الثانية: تفجير سفينة بضائع عملاقة أثناء عبورها المجرى الملاحى لقناة السويس لإظهار أن مصر فقدت السيطرة على تأمين أهم شريان بحرى فى العالم حيث تمر من خلاله نسبة من التجارة الدولية يصعب الاستغناء عنها.

والأخطر أن تفجير السفينة فى القناة ربما يستدعى التدخل الدولى بحجة الحفاظ عليها وعلى مصالح الدنيا كلها.

وكثيرا ما ضبط متسللون يحملون أسلحة اختيرت بعناية لإصابة سفن عابرة لو نجحت تعطلت القناة.

الهجمة الثالثة: تفخيخ وتفجير قاعة من قاعات مركز المؤتمرات يلتقى فيها القوى الشبابية الثورية التى خرجت من رحم يناير مع قادة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة لبحث خطوات الاستحقاقات الدستورية.

كان الهدف حرق جسور الثقة بين الشباب والجيش باتهام المخابرات بتدبير التفجير الذى ستسيل فيه الدماء أنهارا ولن يصدق أحد فى تلك الظروف المضطربة أن الموساد الفاعل لإضعاف مصر واستمرار حالة الفوضى فيها.

إن لعبة الموساد شهيرة.. تنفيذ عملية ما بعد الاطمئنان على أن الأنظار ستتجه إلى فاعل آخر.. مثل عملية لافون.. حيث فجر الموساد منشآت بريطانية وأمريكية فى وقت كانت فيه مصر تتفاوض على الجلاء.. ولولا كشف الشبكة لنسبت التهمة إلى مصر.

ومهما كان بيننا وبينهم من سلام فإن الخوف من مصر سيظل هاجسا يخشونه وكلما قويت سعوا إلى إضعافها ومهما طال الزمن لن يطمئنوا إليها.

حسب المسلسل وضعت قنبلة شديدة الانفجار فى قبو مركز المؤتمرات وبدأ صراع عنيفا لتفكيكها.

أعاد المشهد إلى ذاكرتى وجودى هناك يومها وسط شباب من مختلف التيارات والتحالفات وتخيلت لو انفجرت القنبلة فعلا لكان الضحايا بالمئات والأهم أن لا أحد كان سيصدق أن الدولة بكل أجهزتها بريئة من دمائهم.

نجحت المخابرات العامة فى إفشال الهجمات الثلاث بل نجحت فى ارتدادها لتجبر قيادات الموساد على الإطاحة بمخططى العملية ومنفذيها.

و مثل هذه العملية لا تكشف بين يوم وليلة وإنما تحتاج إلى سنوات من متابعة شبكات الطرف الآخر فى عواصم عربية وأوروبية والسعى ببراعة إلى اختراقها ومتابعة تحركات عملائها مما يعنى أن لا أحد ينام فى المخابرات العامة.

ولو كان الذكاء ضرورة فإن الصبر فضيلة وهما معا يجعلان الجرأة حقيقة لا مفر من الرهان عليها.

والمؤكد أن المسلسل كتبه ببراعة باهر دويدار وشاركه فيها مخرجه أحمد علاء الديب فقد تجاوز تحدى ضعف الصور البصرية بحكم طبيعة عمليات التجسس بواسطة تكنولوجيا الاتصالات عن بعد «مثل البريد الإلكترونى».

والمؤكد أن مثل هذه الدراما تضاعف من مشاعرنا الوطنية وترفع من رؤوسنا عالية.

يشاركنا فى هذه المشاعر ملايين العرب.

أتذكر أن الرئيس الجزائرى الشاذلى بن جديد طلب تأجيل موعدنا معه حتى ينتهى من مشاهدة «رأفت الهجان» وقطعت السيارة المسافة بين فندق إليتى وقصر الرئاسة «نحو عشرة كيلومترات من المناطق المزدحمة» فى ثلاث دقائق فقد كان الجزائريون فى بيوتهم يتابعون المسلسل.


Advertisements